ابن عجيبة
512
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : ولما رأت الصوفية أن الشرك لا يغفر ، ولا يسمح في شئ منه ، جليّا أو خفيا ، حققوا إخلاصهم ، ودققوا معاملتهم مع ربهم ، وفتشوا على قلوبهم ، هل بقي فيها شئ من محبة غير مولاهم ، أو خوف من شئ دونه ، وطهروا توحيدهم من نسبة التأثير لشئ من الكائنات ، فتوجهوا إلى الله في إزالة ذلك عنهم . قال بعضهم : شربت لبنا فأصابني انتفاخ ، فقلت ضرني ذلك اللبن ، فلما كنت ذات يوم أتلو ، وبلغت هذه الآية قلت : يا رب ؛ أنا لا أشرك بك شيئا ، فقال لي هاتف : ولا يوم اللبن ، فبادرت إلى التوبة . أ . ه . بالمعنى . والله تعالى أعلم . ثم عاتبهم على تزكية أنفسهم بالدعوى ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 49 إلى 50 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( 49 ) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ( 50 ) يقول الحق جل جلاله : أَ لَمْ تَرَ يا محمد إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ، وهم اليهود ، قالوا : نحن أبناء الله وأحبّاؤه ، وقيل : طائفة منهم ، أتوا بأطفالهم إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا : هل على هؤلاء ذنب ؟ قال : « لا » . قالوا : والله ما نحن إلا كهيئتهم ، ما عملنا بالنّهار يكفّر عنّا باللّيل ، وما عملنا باللّيل يكفّر عنّا بالنّهار ، فنزلت فيهم الآية . وفي معناهم : من زكى نفسه وأثنى عليها قبل معرفتها . بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ لأنه العالم بخفيات النفوس وكمائنها ، وما انطوت عليه من قبيح أو حسن ، فيزكى من يستحق التزكية ، ويفضح المدّعين ، وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ، وهو الخيط الذي في شق النواة ، يضرب مثلا لحقارة الشيء ، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة ، انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في زعمهم أنهم أبناء الله ، أو أنهم معغفور لهم ، وَكَفى بِهِ أي : بالافتراء ، إِثْماً مُبِيناً أي : ظاهرا لا يخفى على أحد . الإشارة : قال بعض الصوفية : للنفس من النقائص ما لله من الكمالات ، فلا ينبغي للعبد أن يزكى نفسه ، ولو بلغ فيها من التطهير ما بلغ ، ولا يرضى عنها ولو عملت من الأعمال ما عملت . قال أبو سليمان الداراني : لي أربعون سنة وأنا متّهم لنفسي . وفي الحكم : « أصل كل معصية وغفلة وشهوة : الرضا عن النفس ، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة : عدم الرضا منك عنها ، ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه خير من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه ؛ فأىّ علم لعالم يرضى عن نفسه ؟ ! وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه ؟ ! » .